محمد سعيد رمضان البوطي
132
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
هجرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم جاء في صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين إلى المدينة ، جاء يستأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو الآخر في الهجرة . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي » فقال أبو بكر : « وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ » قال : « نعم » . فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ، وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعة أشهر « 52 » . وفي هذه الأثناء رأت قريش أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، فحذروا خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم . فاجتمعوا له في دار الندوة ( وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها ) يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاجتمع رأيهم أخيرا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا ، ثم يعطى كل منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ، كي لا يقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعا ، وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم فأتى جبريل عليه السلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمره بالهجرة ، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة « 53 » . قالت عائشة فيما يروي البخاري : « فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حرّ الظهيرة ، قال قائل لأبي بكر : « هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم متقنعا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها » . فقال أبو بكر : « فدا له أبي وأمي . واللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر » ، قالت : فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاستأذن ، فأذن له ، فدخل ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأبي بكر : « أخرج من عندك » ، فقال أبو بكر : « إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه » . قال : « فإني قد أذن لي في الخروج » ، فقال أبو بكر : « فخذ بأبي أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتيّ » ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « بالثمن » . قالت عائشة : فجهزناهما أحثّ الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ، فبذلك سميت ذات النطاق « 54 » . وانطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما
--> ( 52 ) البخاري : 4 / 255 ( 53 ) سيرة ابن هشام : 1 / 155 وطبقات ابن سعد : 212 ( 54 ) في طبقات ابن سعد : أنها شقت نطاقها فأوكأت بقطعة منه الجراب ، وشدت فم الجراب بالباقي فسميت ذات النطاقين .